الغزالي
141
إحياء علوم الدين
وبالجملة سائر الألوان الجميلة وهي في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة ، وللشم الروائح الطيبة ، وهي في مقابلة الأنتان المستكرهة ، وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة ، وهي في مقابلة المرارة المستبشعة ، وللَّمس لذة اللين والنعومة والملاسة ، وهي في مقابلة الخشونة والضراسة ، وللعقل لذة العلم والمعرفة ، وهي في مقابلة الجهل والبلادة فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير ، ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها ، فما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها وأما النص : فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله تعالى على عباده به ، إذ قال * ( يَزِيدُ في الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) * « 1 » فقيل هو الصوت الحسن ، وفي الحديث [ 1 ] « ما بعث الله نبيّا إلَّا حسن الصّوت » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « لله أشدّ أذنا للرّجل الحسن الصّوت بالقرءان من صاحب القينة لقينته » وفي الحديث في معرض المدح لداود عليه السلام [ 3 ] أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه ، وفي تلاوة الزبور حتى كان يجتمع الإنس والجن والوحوش والطير لسماع صوته ، وكان يحمل في مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب منها في الأوقات ، وقال صلَّى الله عليه وسلم في مدح أبي موسى الأشعري [ 4 ] « لقد أعطى مزمارا من مزامير آل داوود » وقول الله تعالى * ( إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) * « 2 » يدل بمفهومه على مدح الصوت الحسن ، ولو جاز أن يقال إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون في القرءان للزمه أن يحرم سماع صوت العندليب ، لأنه ليس من القرءان ، وإذا جاز سماع
--> « 1 » فاطر : 1 « 2 » لقمان : 19